السيد محسن الأمين

406

أعيان الشيعة

جعلها صفراء لأنها ذكر وهي اسرع من الأنثى وأخف . قال ابن قيس الرقيات أو أبو العباس الأعمى : بحلوم إذا الحلوم استخفت * ووجوه مثل الدنانير ملس وقال قيس بن عمير الكناني : كمثل الحصى بكر ولكن خيانة * وغدر وأحلام خفاف عوازب وأيضا فان البرد لا يوصف بالرقة وإنما يوصف بالمتانة والصفاقة . وإني لأعجب من اتباع البحتري إياه في البرد ، مع شدة تجنبه الأشياء المنكرة عليه حيث يقول : وليال كسين من رقة الصيف * فخيلن أنهن برود ولكن الجيد في وصف الحلم قوله متبعا للمذهب الصحيح المعروف : خفت إلى السؤدد المجفو نهضته * ولو يوازن رضوى حلمه رجحا وقوله : فلو وزنت أركان رضوى ويذبل * وقيس بها في الحلم خف ثقيلها قال وأبو تمام لا يجهل هذا من أمر الحلم ويعلم أن الشعراء إليه يقصدون وإياه يعتمدون ، ولعله قد أورد مثله ، ولكنه يريد أن يبتدع فيقع في الخطأ ( اه‍ ) . ( أقول ) لعل الذي قاد أبا تمام إلى ذكر البرد إرادة التجنيس ، فإنه ذكر في قافية البيت الذي قبله لفظة البرد بفتح الباء فقال : لدى ملك من أيكة الجود لم يزل * على كبد المعروف من فعله برد والذي في الديوان ( رقيق حواشي الحلم لو أن خلقه ) ويمكن أن يقال إن الحلم هنا ليس بمعنى العقل فان الحلم أصل معناه التأني والتدبر وما إلى ذلك ، وإنما استعمل في العقل من باب استعمال اسم المسبب في السبب ، وحينئذ فيمكن وصفه برقة الحواشي باعتبار ما يصدر عنه من العطف والشفقة ، وباب المجاز يتسع لأشياء كثيرة ، ويرشد إليه ما في الديوان من ذكر خلقه بدل حلمه ، ووصف البرد بالرقة غير مستنكر ، فان من صفات الثياب الممدوحة الرقة . 10 - قال الآمدي وأنكر أبو العباس على أبي تمام قوله : من الهيف لو أن الخلاخل صيرت * لها وشحا جالت عليها الخلاخل قال ولم يذكر موضع العيب فيه ولا أراه علمه . والوشاح للمرأة في موضع حمائل السيف ، ومن شأن الخلاخيل ان توصف بأنها تضيق في الأسواق ، فإذا جعل خلاخيلها وشحا تجول عليها فقد أخطأ الوصف ، لأنه إذا كان الخلخال وهو حلقة مستديرة وشاحا للمرأة فقد مسخت إلى غاية الصغر ، ولو قال حقبا أو نطقا لصح المعنى ، لأن الحقاب ما تديره المرأة على خصرها ، وكذلك النطاق والمراد بالهيف دقة الخصر ، فإذا بولغ فيه قيل إن خصرها لو وضع في خلخالها لجال فيه كما قال منصور النميري : فلو قست يوما حجلها بحقابها * لكانا سواء لا بل الحجل أوسع وكما قال أبو العتاهية : نغج روادفهن يلبسن * الخواتم في الخصور قال الآمدي : فهذا ما أنكره أبو العباس مما أبو تمام فيه غالط وهو ثلاثة أبيات ( اه‍ ) . 11 - قال الآمدي ومما أخطأ فيه أبو تمام قوله . مها الوحش إلا أن هاتا أوانس * قنا الخط إلا أن تلك ذوابل وإنما قيل للقنا ذوابل للينها وتثنيها ، فنفى ذلك عن قدود النساء وهو من أكمل صفاتها . 12 - قال الآمدي : ومما أخطأ فيه الطائي أقبح خطأ قوله . قسم الزمان ربوعها بين الصبا * وقبولها ودبورها أثلاثا والصبا هي القبول باتفاق أهل اللغة ، والجيد قول البحتري متروكة للريح بين شمالها * وجنوبها ودبورها وقبولها 13 - قال الآمدي : ومن خطائه قوله وصنيعة لك ثيب أهديتها * وهي الكعاب لعائذ بك مصرم حلت محل البكر من معطى وقد * زفت من المعطي زفاف الأيم أي هذه الصنيعة ثيب عندك أي قد اصطنعت مثلها مرارا وبكر عند هذا العائذ بك لأنها أول ما اصطنعته عنده أو أكبر ما اصطنعته عنده ، والمصرم القليل المال ، فأراد بالكعاب البكر والكعاب التي كعب ثديها ، وهي تكون بكرا وتكون ثيبا ، فليست ضدا للثيب ، فهذا الخطأ في البيت الأول ، وأجاب عنه الآمدي بأن مقابلة الكعاب بالثيب صحيح ، وقد جاء مثله في أشعار العرب قال قدامة بن ضرار الحنفي : غداة خطبنا البيض بالبيض عنوة * وأبن إلينا ثيبات وكعبا أراد بالكعب الأبكار ، وقال جرير يهجو امرأة : وقد حملت ثمانية وتمت * لتاسعة وتحسبها كعابا فأقام الكعاب مقام البكر ، وإنما فعلوا ذلك وإن كانت الكاعب قد تكون بكرا وتكون ثيبا لأن الغالب في الكواعب البكارة . وأما الخطأ في البيت الثاني فمقابلة الأيم بالبكر ، والأيم التي لا زوج لها بكرا أو ثيبا . قال وقد ذكر أبو تمام معنى هذين البيتين في موضع آخر فقال : ذكرت صنيعة لك ألبستني * أثيث المال والنعم الرغاب وليست بالعوان العنس عندي * ولا هي منك بالبكر الكعاب ( العوان ) بين المسنة والصغيرة السن ، وهي التي قد عرفت الأمور وجرت عليها التجربة ، ومنه قيل حرب عوان ، وهي التي قوتل فيها مرة بعد مرة ، استعير لها اسم المرأة في هذه الحال كما استعير لها اسم الفتاة في قوله ( الحرب أعظم ما تكون فتية ) وأراد أبو تمام بهذين البيتين ما أراده بالبيتين السابقين ، إلا أنه جعل العنس هنا في موضع العانس فغلط ، والعانس هي التي حبسها أهلها عن التزويج حتى تجاوزت حد الفتاة . ولا يجوز ان يريد بالعنس المصدر ليكون من إقامة المصدر مقام الصفة ، لأن مصدر عنس عنوس وعناس ولم يسمع العنس . 14 - قال الآمدي : ومن خطائه قوله : الود للقربى ولكن عرفه * للأبعد الأوطان دون الأقرب فجعل وده لذوي قرابته ومنعهم عرفه ، وجعله في الأبعدين مع أن الأقربين أولى به ، فهو بأن يكون ذما أولى من أن يكون مدحا .